أخبار عاجلة
الرئيسية » مناظرات وطنية » بقلم البحري العرفاوي: أي التطويع السياسي والتطبيع الثقافي..
بقلم البحري العرفاوي: أي التطويع السياسي والتطبيع الثقافي..

بقلم البحري العرفاوي: أي التطويع السياسي والتطبيع الثقافي..

“التطبيع” مفردة تعني في عموم دلالتها العودة بالعلاقات إلى طبيعتها وتستعمل عادة إثر الحروب أو الخصومات بين الدول وما يترتب عنها من قطع للعلاقات السياسية والإقتصادية والثقافية وغيرها.
وفي البلاد العربية نشأن مفردة “التطبيع” أساسا في علاقة بزيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس المحتلة سنة 1977 وما استتبعها من تنشيط مسالك التواصل والتزاور والتبادل .
ورغم ما انجر عن تلك الزيارة من عزل مصر عن محيطها العربي بقرار من الجامعة العربية التي انتقل مقرها وأمانتها العامة إلى تونس فإن الكيان الصهيوني ظل يحرص على أن يُصبح “التطبيع” حالة عربية شاملة، كان يحرص على ان يصبح مكونا أساسيا من النسيج الجغرافي والسياسي والإقتصادي للمنطقة. يعرف أي مراقب بأن العدو الصهيوني لا يؤمن قط بالتطبيع مع العرب لطبيعة عقديدته التوراتية . ولكنه يخاتل من أجل استدرار مزيد من التعاطف الدولي معه ومن أجل تحييد أكبر قدر ممكن من المدخرات المقاومة لدى الأمة. لم يكن يسيرا على أي حاكم عربي ـ ما عدا السادات ـ أن يتجرأ على إعلان نية التطبيع مع العدو رغم الضغوطات السياسية والإقتصادية التي تمارسها الدول الغربية على العديد من الزعماء العرب ورغم تكرر مسلسل المفاوضات المباشرة وغير المباشرة ورغم الوعود ـ التي لا تتحقق بإقامة ـ دولة فلسطينية قابلة للحياة.
تتعرض أنظمة عربية عديدة إلى محاولة تطويع عبر ربط ماعدتها الإقتصادية وربط حصولها على قروض من بنك النقد الدولي بمدى إبداء استعدادها للتطبيع مع العدو ومدى إسهامها في عملية “السلام”… تلك الضغوطات أربكت وتربك الصف العربي الرسمي وتوقع دائما القمم العربية في حالة من عدم التوافق حتى انقسم العرب سابقا إلى ” جبهة الصمود والتصدي” وإلى حلفاء أمريكا والغرب ـ حتى وإن لم ينخرطوا في عمليات تطبيع ـ .
اليوم وبفعل التحولات الدولية سياسيا واقتصاديا وعسكريا ـ خاصة بعد تفكك الإتحاد السوفياتي ـ تغير المشهد كثيرا وتغيرت التشكلات وتغيرت أيضا مشاريع “التطبيع” ضمن محاولات “العولمة” أو “الشرق الأوسط الجديد” بحيث يُراد أن يتحول الكيان الصهيوني ـ ورغما عن الجميع ـ إلى مكون جغرافي وسياسي واقتصادي من بين مكونات المنطقة بحيث لا تكون “عربية” وإنما “شرق أوسطية” منفتحة بالأساس على الكيان الصهيوني وتركيا.

يعرف الكيان الصهيوني وحلفاؤه الغربيون أن التطبيع السياسي مع بعض الأنظمة ليس إلا حركة شكلية لا يمكن الإطمئنان إليها ولا يمكن أن تتأسس عليها علاقات متينة ولا أن تقام عليها مشاريع مستقبلية بعيدة المدى كما يَفترض واقع الدول.
يعرف الكيانُ أن تلك الخطوات المحتشمة أو السرية التي تُقدم عليها بعض الأنظمة إنما هي بدافع ضغوطات غير مقدور على تحملها وأن لا علاقة لإرادة الأمة بها. يعرف الكيان ذاك أين تكمن إرادة الأمة، إنها ليست بين أيدي حاكم يريد أن يكون “زعيما” عربيا في مشاريع التسويات المائلة. تكمن إرادة الأمة في مخزونها الثقافي المؤسس على “عقيدة التحرر” وعلى الكرامة والعزة ورفض كل أشكال التسلط والإذلال…يعرف “الكيان” أن الذي يتهدده ليس القدرات العسكرية لدول الجوار وإنما الذي يتهدده هي تلك العقيدة إذا ما استمرت عبر الأجيال في تعبيرات ثقافية متنوعة تحاصر “العدو” فلا يتمدد لا في السياسة ولا في الأفكار ولا في الذائقة والعادات الإستهلاكية، لذلك يظل غير آمن ويظل يبحث عن “ضمانات” ثقافية تُكسبه بعض أمان وانشدادا للمستقبل، ولذلك هو لا يكف عن محاولاته باتجاه بعضٍ من النخب والمثقفين والجامعيين والإعلاميين والفنانين العرب يستدرجهم بأساليب شتى نحو تطبيع تحت عناوين مختلفة أكاديمية،علمية، إنسانية وغيرها.
لا خوف مما تتعرض له بعض الأنظمة العربية من محاولات تطويع وابتزاز قد تخضع لبعضها تحت عناوين المناورة ودفعا لمخاطر أكبر…ولكن علينا الإنتباه إلى محاولات التطبيع الثقافي وما يمارسه بعض الماكرين من تجريع ناعم لسوائل ثقافية تضليلية وتحريفية تمهد لاختراق الوعي وإعداد الأنفس للتعايش مع المغتصبين قتلة الأطفال والنساء والشيوخوالنساء…مثقفون وجامعيون وإعلاميون وفنانون وباحثون عرب ومسلمون يشتغلون كاسحات ثقافية تمارس التجريف الدائم لمقومات الأمة الحضارية والثقافية ويمهدون مسالك تسرب العدو في الفكرة وفي الذائقة …لا يجهر أنصار التطبيع بما يفعلون ولا يجدون ما يكفي من الشجاعة والجرأة لكشف أنفسهم أمام الٍاي العام الشحون دائما بقدر من “عقيدة التحرر” …يظل المطبعون يخاتلون كما اللصوص ويطوفون عبر المفردات اللزجة والشعارات الغائمة لا يُبِينون ولا يواجهون ولا يستحون من دماء الشهداء ومن دموع الثكالى واليتامى ضحايا الإجرام الصهيوني إنهم “عُقبان الثقافة” يتقرون في أجساد الموتى وجراحات الضحايا… وحتى يسهل علينا التعرف إليهم ننظر في الذين يواجهون ثقافة المقاومة وفي الذين لا ينصرون ثقافة المقاومة وفي الذين يزينون ثقافة الهزيمة وفي الذين يروجون خطابا ثقافيا عقيما في المسلسلات والأفلام والأغاني يعتدون على مقومات الهوية وعلى المشترك من القيم وعلى الرموز التاريخية والحضارية فأولائك هم المنخرطون في مشاريع التطبيع يجب كشفهم والتصدي إليهم والتضييق عليهم في كل مجال وفي كل منشط ولا مجاملة لمن يهزأ من سيادة الأمة ومن مقوماتها ومن دماء الشهداء وأرواحهم ولا يمكن أن تتحول الخيانت إلى وجهات نظر تُحترم بدعوى “قبول المختلف”.
التحولات العميقة التي تحصل اليوم في المنطقة وفي العالم كله تؤشر على أن القضية العربية تجاوزت مرحلة التهديد الجدي وأن الكيان الصهيوني يُقيم في قلق وخوف دائمين وأن أنصاره في المنطقة من دعاة التطبيع السياسي والثقافي ليس لهم من مستقبل ولم يعد لهم من شأن.
الصباح التونسية : 9 ديسمبر 2010

عن dhakees

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

ExactSeek: Relevant Web Search
// Paste your Google Analytics code from Step 6 here PageRank Actuel Rfrencement Gratuit